29 شوال 1438 هـ - الموافق 23 يوليو 2017 م

الرد على من أباح الفوائد الربوية



الحمد لله ، والـصـلاة والـسـلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد اطلعت على البحث الذي أعده الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر تحت عنوان: ”مـوقـف الـشـريعة الإسلامية من المصارف“، فألفيته قد حاول فيه تحليل ما حرم الله من الربا بأساليب ملتوية، وحجج واهية، وشبه داحضة، ورأيـت أن من الـواجب على مثلي بيان بطلان ما تضمنه هذا البحث، ومـخـالـفـته لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة من تحريم المعاملات الربوية، وكـشـف الشبه التي تعلق بها ، وبيان بطلان ما استند إلـيـه فـي تـحـلـيـل ربا الفضل وربا النسيئة ، ما عدا مسألة واحدة وهي ما اشتهر من ربا الجاهلية من قول الـدائـن للـمـديـن المعسر عند حلول الدين: إما أن ترْبي وإما أن تقضي، فهذه المسألة عند إبراهيم المذكور هي المحرمة من مسائل الربا، وما ســواهــا فهو حـلال، ومن تأمل كتابته اتضح له منها ذلك ، وسأبين ذلك إن شاء الله بياناً شـافــيـاً ، يتضح به الحق، ويزهق به الباطل، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وإلى القارئ بيان ذلك :

أولاً : قال إبراهيم في أول بحثه ما نصه : يمكن الـقــول إنه لن تكون هناك قوة إسـلامية بدون قوة اقتصادية ، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك ، ولن تكون هناك بـنـوك بلا فوائد !

 

 

 

وقـد شرع الله لعباده أنواعاً من المعاملات يحصل بها تبادل المنافع، ونمو الثروات، والتعاون على كل ما ينفع المجتمع ، ويشغل الأيدي العاطلة ، ويعين الفقراء على كسب الــرزق الحلال، والاستغناء عن الـربـا والتسول وأنواع المكاسب الخبيثة، ومن ذلك المضاربات وأنواع الشركات التي تنفع المجتمع ، وأنواع المصانع لما يحتاج إليه الناس من السلاح والملابس والأواني والمفارش وغير ذلك ، وهكذا أنواع الزراعة التي تشغل بها الأرض ، ويحصل بها النفع العام للفقراء وغيرهم ، وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم وضد المصالح العامة ، ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة ومحق البركات وتسليط الأعداء وحلول العقوبات المتنوعة والعواقب الوخيمة، فنسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق.

ثانياً : قال إبراهيم : إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصادٍ ما تشبه إلى حد قريب وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تماماً... الخ.

والجواب : ليس الأمر كما قال ، بل يمكن أن يقوم الجهاز المصرفي بما ذكره الكاتب ، من غـيـر حـاجة إلى الربا ، ولا ضرورة إليه كما قام اقتصاد المسلمين في عصورهم الماضية وفي عصرهم الأول الذهبى بأكمل اقتصاد وأطهره من دون وجود بنوك ربوية كما تقدم ، وقد نـصر الله بهم دينه ، وأعلى بهم كلمته وأدرّ عليهم من الأرزاق والغَناء ، وأخرج لهم من الأرض ما كفاهم وأغناهم وأعانهم على جهاد عدوهم ، وحماهم به من الحاجة إلى ما حرم الله عليهم ، ومن درس تاريخ العالم الإسلامي من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل إنشاء المصارف الربوية علم ذلك يقيناً.

 

ثالثاً :ذكر إبراهيم في بحثه ما نصه : والسؤال الذي لم نعثر على جواب حتى الآن هو : كـيـف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة ، ولماذا يعتبر القرض بالفائدة محرماً في نظرهم ؟... الخ.

والجواب عما ذكره هنا إلى نهاية بحثه المشار إليه أن يقال :

إنما نظر الفقهاء من سائر علماء المسلمين في أمر الفائدة وعلقوا بها التحريم؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناطت بها التحريم ، وهى أحاديث مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا مغمز فيها ، وهي تدل دلالة صريحة قطعية على أن بيع المال الربوي بجنسه مع أي زيادة - ولو قلّت - ربا صريح محرم ، ولكن الـكـاتـب إبراهيم المذكور - هداه الله وألهمه رشده - أعرض عنها كلها ، ولم يلتفت إليها ، وإنما تكلم على الربا المجمل الوارد في القرآن الكريم ، وحاول بكل ما استطاع أن يحصر الربا في مسألة واحدة هي : ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على إمهاله بفائدة معينة، هذا ملخص بحثه، وما سوى ذلك فقد حاول في هذا البحث إلحاقه بقسم الحلال لحاجة الناس - بزعمه - إلى ذلك وأن هذا هو الذي تقوم به المصارف ، وزعم أن الحاجة داعية إلى ذلك، وأن مصالح العباد لا تتم إلا بهذه المعاملات الربوية التي تستعملها البنوك  وقد تعلق بـأشـياء مجملة من كلام الموفق بن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم - رحمهم الله جميعاً - فيما ذكروه عن المصلحة وأن الشرع لا يمنع تحقيق المصالح التي تنفع المسلمين بدون ضــرر على أحد ، ولا مخالفة لنص من الشرع المطهر..

وهذا كله لا حجة له فيه؛ لأن المصالح التي أراد هؤلاء الأئمة وأمثالهم تحقيقها إنما أرادوا ذلك حيث لا مانع شرعي يمـنع من ذلك ، وذلك في المسائل الاجتهادية التي لا شيء فيها يوضح الحكم الشرعي ، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم ربا الفضل ، وعلى تحريم ربا النسيئة ، وذكر بعض أهل العلم أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل ؛ لأن عاقلاً لا يبيع شيئاً بأكثر منه من جنسه يداً بيد ، وإنما يكون ذلك إذا كان أحد العوضين مؤجلاً أو كان أحدهما أنفس من الآخر ، ولهذا لما باع بعض الصحابة رضي الله عنهم صاعين من التمر الرديء بصاع واحد من التمر الطيب ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم : « أوه عين الربا عين الربا لا تفعل !» الحديث ، متفق عليه ، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز».

وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وغيرهما.

 

وأما نقله عن الشيخ رشيد رضا في إجازته الربا في صندوق التوفير فهو غلط منه ، ولا يجوز أن يعوَّل عليه والحجة قائمة عليه وعلى غيره من كل من يحاول مخالفة النصوص برأيه واجتهاده ، وقد تقرر في الأصول أنه : لا رأي لأحد ولا اجتهاد لأحد مع وجود النص ، وإنما محل الرأي والاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها ، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر إذا كان أهلاً للاجتهاد ، واستفرغ وسعه في طلب الحق ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله ، أما المسائل التي نص على حكمها القرآن الكريم أو الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته فليس لأحد أن يجتهد في مخالفة ما دل عليه النص ، بل الواجب التمسك بالنص وتنفيذ مقتضاه بإجماع أهل العلم. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رابعاً :ثم قال الكاتب الدكتور إبراهيم في نهاية البحث ما نصه : (وخلاصة البحث بعد هذه المقارنة الواضحة بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم ، وبين المعاملات المصرفية يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماماً عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم ؛ لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا ، ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداءً برسول الله في إباحته بيع (السلم) رغم ما فيه من بيع غير موجود ، وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصل ، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه ، وهكذا فقد اعتمد العلماء على (السلم) وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها) .

 

والجواب أن يقال :

 

وأما التشبيه بالسلم فهو من باب المغالطة والتعلق بما لا ينفع ، فإن إباحة السلم من محاسن الشريعة الكاملة ، وقد أباحه الله سبحانه لحاجة العباد إليه ، وشرط فيه شروطاً تخرجه عن المعاملات المحرمة ، فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر - إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجالس يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المرتبطة على ذلك، فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجاته الحاضرة، والمشتري ينتفع بالمسْلَم فيه عند حلوله لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول ، وذلك في الغالب، فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا. أمــا المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقداً أو نسيئة ، وجعله من أكبر الكبائر لما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة ولما للعباد فـي ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم، ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتماداً على فوائد الربا.

 

وعن جابر رضي الله عنه قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء » رواه مسلم.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الذهب بالورِق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام : « من غشنا فليس منا» رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام :« ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ، فقالوا: بلى يا رسول الله ! ، فقال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال : ألا وقول الزور ، أو وشهادة الزور » متفق عليه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

 

 

ولا شك أن مقاله يحتاج إلى أكثر مما كتبت ، ولكن أرجو أن يكون فيما بينته مقنعاً وكفاية لطالب الحق. والله المستعان ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


مواضيع ذات صلة :

المفطرات في مجال التداوي
26-Sep-2006
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 23 - 28 صفر 1418هـ ...
التسعير في الفقه الإسلامي
11-Sep-2005
ما حكم التسعير ، وهل هو جائز إطلاقاً ، أو محرم إطلاقاً ، أو يجوز في حين دون آخر ، ومتى يجوز ومتى لا يجوز؟ هذا ما سـنـبـحـثـه بشيء ...
الجوائز والترويج السلعي ...
10-Sep-2005
تعددت أساليب الجذب لبيع السلع، كما تنوعت وسائل وطرق تشجيع المستهلكين لاقتناء ما تنتجه المصانع وما يعرضه مـسـوقــو هـــذه السلع، فأ...