29 شوال 1438 هـ - الموافق 23 يوليو 2017 م

حوادث السيارات



حوادث السيارات

وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله تعالى ثم حق عباده

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد :

فمن كتب الفقهاء في حكم حوادث المواصلات وآلات النقل في زمنهم كالسفن والدواب وأحكام حوادث المصارعة والتجاذب ؛ يتضح منها حكم وسائل النقل في زمننا ، وإن كان قد جد في عصرنا وسائل أخرى للنقل والمواصلات إلى جانب الوسائل القديمة ، كالسيارات والطائرات والدبابات والدراجات ؛ فإن علماء العصر يستطيعون أن يتبينوا حكم حوادثها على ضوء الأصول الشرعية وما سبق من النظائر التي حكم فيها أئمة الفقه الإسلامي باجتهادهم ؛ وذلك بتخريج الوسائل الجديدة على نظائرها من حوادث الوسائل القديمة ، ليعرف الحكم فيها بتحقيق المناط وتطبيق القواعد الشرعية عليها كما فعل المجتهدون السابقون .

وعلى هذا فهذا البحث يتضمن ما يأتي :

1.    تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام .

2.    دهس سيارة ونحوها لشيء وانقلابها وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام .

3.    بيان ما يترتب على حوادث السيارات من العقوبات لمخالفة المرور ونحوه مما يسبب وقوع الحوادث .

4.    توزيع الجزاء على من اشتركوا في وقوع الحادث بنسبة اعتدائهم أو خطئهم .

 

الموضوع الأول

تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى

وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام

تمهيد :

إن ما يترتب على تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى من الأحكام يختلف باختلاف عدة أمور :

الأول : حال القائد أو السائق من كونه متعمدا أو مخطئا أو مغلوبا على أمره في وقوع الحادث أو كونه لا يحسن القيادة .

الثاني : اختلاف الفقهاء في ضابط العمد والخطأ وشبه العمد وما تحمله العاقلة وما لا تحمله .

الثالث : اعتبار فعل كل من الجانبين في حق نفسه وحق صاحبه أو اعتباره في حق صاحبه فقط .

الرابع : تعدي كل من الطرفين بالنسبة للحادث أو تعدي أحدهما دون الآخر .

الخامس : اعتبار التسبب أو المباشرة منهما أو من أحدهما أو من غيرهما .

السادس : الاختلاف في تحقيق المناط ( التطبيق ) .

 

 

وعلى هذا يمكن أن يقال :

أولا : إن تصادمت سيارتان وكان ذلك من السائقين عمدا فإن ماتا فلا قصاص لفوات المحل ، وتجب دية كل منهما ودية من هلك معه من النفوس وما تلف معه من السيارة والمتاع في مال صاحبه ، بناء على عدم اعتدائه وفعله في نفسه ومن هلك معه واعتبار ذلك بالنسبة لصاحبه ومن هلك أوتلف معه ، أو يجب نصف دية كل منهما ونصف دية من هلك معه ونصف قيمة ما تلف معه في مال صاحبه ، بناء على اعتبار اعتدائه وفعله في حق نفسه وحق صاحبه .

وإن مات أحدهما دون الآخر اقتص منه من مات بالصدمة لأنها مما يغلب على الظن القتل به ، وإن كان التصادم منهما خطأ وجبت الدية أو نصفها لكل منهما ولمن مات معه على عاقلة صاحبه ، وتجب قيمة ما تلف من سيارة كل منهما أو متاعه أو نصفها في مال صاحبه بناء على ما تقدم من الاعتبارين ، وإن كان أحدهما عامدا والآخر مخطئا فلكل حكمه على ما تقدم ، ومن كان منهما مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه إلا إذا كان ذلك بسبب تفريط منه سابق .

 

ثانيا : إذا صدمت سيارة سائرة سيارة واقفة في ملك صاحبها أو خارج طريق السيارات أو على طريق واسع ضمن سائق السائرة ما تلف في الواقفة فصادف ذلك الصدمة فالضمان بينهما على ما تقدم في تصادم سيارتين ، وإن كانت واقفة في طريق ضيق غير مملوك لصاحبها فلاضمان على صاحب الواقفة لتعديه بوقوفه ، ويحتمل أن يكون الضمان بينهما لتفريط كل منهما وتعديه .

وإن صدمت سيارة نازلة من عقبة مثلا سيارة صاعدة فالضمان على سائق المنحدرة إلا إذا كان مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه ، أو كان سائق الصاعدة يمكنه العدول عن طريق النازلة فلم يفعل ، فالضمان بينهما ، وإن أدركت سيارة سيارة أمامها فصدمتها ضمن سائق اللاحقة ما تلف من النفوس والأموال في سيارته والسيارة المصدومة لأنه متعد بصدمه لما أمامه والأمامية بمنرلة الواقفة بطريق واسع إلا إذا حصل من سائق الأمامية فعل يعتبر سببا أيضا في الحادث ، كأن يوقف سيارته فجأة أو يرجع بها إلى الخلف أو ينحرف بها إلى ممر اللاحقة ليعترض طريقها فالضمان بينهما على ما تقدم من الخلاف في حكم تصادم سيارتين .

 

ثالثا : وإذا وقف سائق سيارة بسيارته أمام إشارة المرور مثلا ينتظر فتح الطريق فصدمت سيارة مؤخر سيارته صدمة دفعتها إلى الأمام فصدمت بعض المشاة مثلا فمات أو أصيب بكسور ضمن من صدمت سيارته مؤخر السيارة الأخرى كل ما تلف من نفس ومال لأنه متعد بصدمه والسيارة الأمامية بمنزلة الآلة بالنسبة للخلفية فلا ضمان على سائقها لعدم تعديه .

 

الموضوع الثاني

حوادث دهس السيارات وانقلابها أو سقوط شيء منها على أحد

أو قفز أحد ركابها أو تعلق أحد بها وما يترتب على ذلك من أحكام

أولا : إذا ساق إنسان سيارة في شارع عام ملتزما السرعة المقررة ومتبعا خط السير حسب النظام فقفز رجل فجأة أمامه فصدمته السيارة ومات أو أصيب بجروح أو كسور رغم قيام السائق بما وجب عليه من الفرملة ونحوها أمكن أن يقال : بتضمين السائق من مات بالصدم أو كسر مثلا بناء على ما تقدم من تضمين الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت الدابة بيديها وقد يناقش بأن كبح الدابة وضبطها أيسر من ضبط السيارة ويمكن أن يقال بضمان كل منهما ما تلف عند الآخر من نفس ومال ، بناء على ما تقدم على الحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم في تضمين المتصادمين ويمكن أن يقال بضمان السائق ما تلف من نصف الدية أو نصف الكسور لتفريطه بعدم احتياطه بالنظر لما أمامه من بعيد وبضمان المصدوم نصف ذلك لاعتدائه بالمرور فجأة أمام السيارة دون الاحتياط لنفسه بناء على ما ذكره الشافعي وزفر وعثمان البتي ومن وافقهم في تضمين المتصادمين ، ويحتمل أن يقال إنه هدر لانفراده بالتعدي ، ولو قدر أنه اصطدم بجانب السيارة فمات أو كسر والسيارة على ما ذكر من الحال كان الضمان على ما تقدم من الاحتمالات .

 

ثانيا : إذا مر إنسان أو حيوان أمام سيارة ، فاستعمل سائق السيارة الفرملة تفاديا للحادث فسقط أحد الركاب وقفز آخر فماتا أو أصيبا بكسور ، علما بأن باب السيارة قد أحكم إغلاقه ، ضمن السائق دية من سقط أو أرش إصابته لأن سقوطه كان بعنفة الفرملة ، وقد كان عليه أن يعمل لذلك احتياطا من قبل فيهدئ من السرعة ، وليس له أن يتسبب في قتل شخص ليسلم آخر ، ويحتمل ألا يضمن إذا كان متبعا للنظام في سرعته وخط سيره لأنه مأمور بالفرملة تفاديا للحادث ، أما من قفز فهو كاسر نفسه أو قاتلها فلا يضمنه السائق .

 

ثالثا : إذا تعهد السائق سيارته قبل السير بها ثم طرأ عليها خلل مفاجئ في جهاز من أجهزتها مع مراعاته لنظام في سرعته وخط سيره وغلب على أمره فصدمت إنسانا أو حيوانا أو وطئته فمات أو كسر مثلا ، لم يضمن السائق،ولو انقلبت بسبب ذلك فمات أو انكسر من فيها أو تلف ما فيها لم يضمن ، وكذا لو انقلبت بسبب ذلك على أحد أو شيء فمات أو تلف فلا ضمان عليه لعدم تعديه وتفريطه، قال الله تعالى : { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } بالبقرة:286] .

وإن فرط السائق في تعهد سيارته أو زاد في السرعة أو في حمولتها أو نحو ذلك ضمن ما أصاب من نفس ومال ، وإن سقط شيء من السيارة ضمنه إن كان في حفظه بأن كان موكولا إليه ، إلا أن كان عليه شدة بما يصونه ويضبطه ، وإن سقط أحد منها لصغره وليس معه قيم فأصيب ضمن ذلك لتفريطه .

 

رابعا : إن سقط شيء من السيارة فأصاب أحدا فمات أو كسر أو أصاب شيئا فتلف ضمن ما أصاب من نفس أو مال لتفريطه ، وإن سقط منها مكلف لازدحام يخالف نظام المرور فمات ضمن السائق لتعديه ، ويحتمل أن يكون الضمان على السائق ومن هلك بالسقوط مناصفة لاشتراكهما في الاعتداء .

 

الموضوع الثالث

بيان ما يترتب على حوادث السيارات من العقوبات

لمخالفة نظام المرور ونحوه مما يسبب وقوع الحوادث

من الواجب على ولي الأمر العلم النصح لأمته ، والمحافظة على رعيته والسعي في تحقيق ما فيه صلاحهم وما به دفع الضرر عنهم ، معتصما في ذلك بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، وعلى الأمة النصح له وإعانته على شؤون الدولة وحفظ كيانها وطاعته في المعروف ، وعلى هذا إذا رأى باجتهاده في أمور الناس ومعاملاتهم المباحة وشؤون حياتهم التي ليس فيها نص شرعي بأمر أو نهي ، إنما وكلت إلى اختيارهم أن يلزمهم بأحد طرفي المباح تحقيقا للمصلحة ودفعا لمضرة الفوضى عنهم ، وجب عليهم أن يطيعوه واعتبر من عصاه في ذلك من المعتدين .

من ذلك تنظيم العمل في الوزارات والدوائر والمؤسسات والمدارس بتحديد زمان العمل ومكانه ووضع اللوائح ومناهج العلوم وجداول الدراسة ونحو ذلك مما يضبط العمل ويساعد على الاستفادة منه على أكمل الوجوه ، فإذا فعل ذلك أو نائبه وجبت طاعته وحق له تعزير من يعصيه ويخالفه بما يراه مكافئا لمخالفته .

ومنه تنظيم خط السير في الطرق برا وبحرا وجوا ، وإلزام قادة السيارات والبواخر والطائرات ونحوها خطوطا محدودة وسرعة مقدرة ومواعيد مؤقتة ، وأن يحملوا بطاقات تثبت الإذن لهم في القيادة وتدل على صلاحيتهم لها ، فيجب على قادة وسائل النقل والمواصلات أن يلتزموا بما وضع لهم محافظة على الأمن والدماء وسائر المصالح ودفعا للفوضى والاضطراب وما ينجم عنهما من الحوادث والأخطار وفوات الكثير من المصالح .

ومن خالف ذلك كان من المعتدين ، وحق لولي الأمرأو نائبه أن يعزره بما يردعه ويحفظ الأمن والمصلحة والاطمئنان من حبس وسحب بطاقة القيادة وغرامة مالية في قول بعض العلماء وحرمانه من القيادة ونحو ذلك ، ومن جنى على غيره وهو مخالف للنظام ضمن ما أصاب من نفس ومال على ما تقدم بيانه في مسائل الموضوع الأول والثاني من هذا البحث .

 

الموضوع الرابع

توزيع الجزاء على من اشتركوا في وقوع حادث

بنسبة اعتدائهم أو خطئهم

إن لاشتراك جماعة في وقوع حادث صورا كثيرة ومتنوعة يختلف الحكم فيها باختلافها في وحدة موضع جنايتهم في البدن أو العضو وتعدده وفي اتفاق زمن حصول الحادث منهم وتتابعه ، وفي تساوي مبلغ الإصابة وما ترتب عليها من الآثار والتفاوت في ذلك وفي المباشرة للحادث والتسبب فيه ، إلى غير هذا مما يختلف باختلاف الحكم على من اشترك في الحادث أو يوجب تساويهم في الحكم عليهم ، كما يختلف الحكم باختلاف الجناية إذا وقعت من واحد .

وبناء على أقوال الفقهاء في مسائل هذا الموضوع ، وما بنيت عليه من العلل أو اندرجت تحته من القواعد الشرعية ، يمكن أن يخرج توزيع المسؤولية في حوادث السيارات على الطريقة الآتية :

 

أولا : إذا صدمته سيارة إنسان عمدا أو خطأ فرمته إلى جانب وأصابته سيارة أخرى مارة في نفس الوقت فمات :

1.    فإن كانت إصابة كل منهما تقتله لو انفردت وجب القصاص منهما له ، أو الدية عليهما مناصفة على ما تقدم من الخلاف ، والشروط في مسألة اشتراك جماعة في قتل إنسان ، سواء تساوت الإصابتان أو كانت إحداهما أبلغ من الأخرى مادامت الدنيا منهما لو انفردت قتلت .

2.    وإن تتابعت الإصابتان وكانت الأولى منهما تقتل ، وجب القصاص أو الدية على سائق الأولى ، ويعزر سائق الثانية ، وإن كانت الأولى لا تقتل ومات بإصابة الثانية فالقصاص أو الدية على سائق الثانية ، ويجب على سائق الأولى جزاء ما أصاب من قصاص أو حكومة .

 

ثانيا : إذا أصابت سيارة إنسانا بجروح أو كسور ، وأصابته أخرى بجروح أو كسور أقل أو أكثر من الأولى وكل من الإصابتين لا تقتل إذا انفردت فمات المصاب من مجموع الإصابتين وجب القصاص أو الدية على السائقين مناصفة .

 

ثالثا : إذا دفع إنسان آخر فسقط أو أوثقه في طريق فأدركته سيارة ووطئته فقتلته أو كسرته مثلا فقد يقال : على السائق ضمان ما أصاب من نفس أو كسر ، ويعزر الدافع أو الموثق أو الدافع المتسبب ، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما قصاصا أو دية أو حكومة لأن كليهما مشترك مع السائق في ذلك .

 

رابعا : إذا أصابت سيارة إنسانا أو مالا وأصابته أخرى في نفس الوقت أوبعده ولم يمت وتمايزت الكسور أو الجروح أو التلف فعلى كل من السائقين ضمان ما تلف أو أصيب بسيارته قل أو كثر .

 

خامسا : إذا أصابت سيارتان إنسانا بجروح أو كسور ولم تتمايزا ولم يمت، أو أصابتا شيئا أو أتلفتاه فعليهما القصاص في العمد ، وضمان الدية والمال بينهما مناصفة .

 

سادسا : إن استعمل السائق المنبه من أجل إنسان أمام سيارته أو يريد العبور فسقط من قوة الصوت أمام سيارته ووطئته سيارته فمات أو كسر مثلا ضمنه السائق ، وإن سقط تحت سيارة أخرى ضمنه سائقها لأنه مباشر ومستعمل المنبه متسبب. ويحتمل أن يكون بينهما لاشتراكهما ، كالممسك مع القاتل ، وإن سقط فمات أو كسر مثلا بمجرد سماعه الصوت ضمنه مستعمل المنبه .

 

سابعا : إذا خالف سائق نظام السير المقرر من جهة السرعة أو عكس خط السير وأصاب إنسانا أو سيارة أو أتلف شيئا عمدا أو خطأ ضمنه .

 

وإن خرج إليه إنسان أو سيارة من منفذ فحصل الحادث ففي من يكون عليه الضمان احتمالات الأول : أن يكون على السائق المخالف للنظام لاعتدائه ومباشرته ، ويحتمل أن يكون على من خرج من المنفذ فجأة لأنه لم يتثبت ولم يحتط لنفسه ولغيره ، وعلى من خالف نظام المرور التعزير بما يراه الحاكم أو نائبه .

ويحتمل أن يكون الضمان عليهما للاشتراك في الحادث ، وإن اعترضته سيارة تسير في خطها النظامي أو زحمته ، فإن كان ذلك عمدا منه فالضمان عليه ، وإن كان خطأ فالضمان عليهما وعلى المخالف للنظام الحق العام وهو التعزير بما يراه الإمام .

والله الموفق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

 

 


مواضيع ذات صلة :

إحــياء سـُنة الوقف
20-Nov-2005
عمدتُ - بعد توفيق الله تعالى - إلى الإسهام في تجـلـيــة حقـيـقــة طالـمــا غابت ولعقود طويلة عن أذهان كثير من المسلمين، هذه الحق...
التسعير في الفقه الإسلامي
11-Sep-2005
ما حكم التسعير ، وهل هو جائز إطلاقاً ، أو محرم إطلاقاً ، أو يجوز في حين دون آخر ، ومتى يجوز ومتى لا يجوز؟ هذا ما سـنـبـحـثـه بشيء ...
الرد على من أباح الفوائد ...
11-Sep-2005
فقد اطلعت على البحث الذي أعده الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر تحت عنوان: ”مـوقـف الـشـريعة الإسلامية من المصارف“، ...